وهبة الزحيلي

59

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فقه الحياة أو الأحكام : أرشدت الآية ( 118 ) - آية اتخاذ البطانة « 1 » إلى أربعة أمور : الأول - تأكيد الزجر عن الركون إلى الكفار ، وذلك للآية السابقة : إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ . الثاني - نهي المؤمنين أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء مستشارين أمناء في إبداء الآراء المهمة ، وإسناد الأمور الخطيرة في الدولة إليهم . أما اتخاذ أهل الكتاب كتبة وموظفين في أعمال الحكومة مما لا يتصل بالقضايا الحساسة للدولة فيظهر من عمل الخلفاء أنه لا مانع منه . روى البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما بعث اللّه من نبي ، ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان : بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه ، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه ، فالمعصوم : من عصم اللّه تعالى » . الثالث - دل قوله تعالى مِنْ دُونِكُمْ أي من سواكم على أن النهي موجه إلى استعمال غير المسلمين بطانة ، لأسباب ذكرتها الآية : وهي : لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا أي لا يقصّرون في إفساد أموركم ؛ و وَدُّوا ما عَنِتُّمْ أي ودّوا عنتكم أي ما يشق عليكم ، والعنت : المشقة ؛ و قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ يعني ظهرت العداوة والتكذيب لكم من أفواهم ؛ و وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ إخبار وإعلام بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم . الرابع - في هذه الآية دليل على أن شهادة العدو على عدوه لا تجوز ، وبذلك قال أهل المدينة وأهل الحجاز ، وروي عن أبي حنيفة جواز ذلك . ودلت الآية ( 119 ) : ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ أي المنافقين من أهل

--> ( 1 ) بطانة الرجل : خاصته الذين يستنبطون أمره .